فخر الدين الرازي
88
تفسير الرازي
فحينئذٍ يعود السؤال وهو : أنا كيف نجد من أنفسنا صور هذه المرئيات ، وكيف نجد من أنفسنا هذه الكلمة والعبارات وجداناً لا نشك أنها حروف متوالية على العقل وألفاظ متعاقبة عل الذهن ، فهذا منتهى الكلام في كلام الفلاسفة ، أما الجمهور الأعظم من أهل العلم فإنهم سلموا أن هذه الخواطر المتوالية المتعاقبة حروف وأصوات حقيقة . واعلم أن القائلين بهذا القول قالوا : فاعل هذه الحروف والأصوات إما ذلك الإنسان أو إنسان آخر ، وإما شيء آخر روحاني مباين يمكنه إلقاء هذه الحروف والأصوات إلى هذا الإنسان ، سواء قيل إن ذلك المتكلم هو الجن والشياطين أو الملك ، وإما أن يقال : خالق تلك الحروف والأصوات هو الله تعالى : أما القسم الأول - وهو أن فاعل هذه الحروف والأصوات هو ذلك الإنسان - فهذا قول باطل ، لأن الذي يحصل باختيار الإنسان يكون قادراً على تركه ، فلو كان حصول هذه الخواطر بفعل الإنسان لكان الإنسان إذا أراد دفعها أو تركها لقدر عليه ، ومعلوم أنه لا يقدر على دفعها ، فإنه سواء حاول فعلها أو حاول تركها فتلك الخواطر تتوارد على طبعه وتتعاقب على ذهنه بغير اختياره ، وأما القسم الثاني - وهو أنها حصلت بفعل إنسان آخر - فهو ظاهر الفساد ، ولما بطل هذان القسمان بقي الثالث - وهي أنها من فعل الجن أو الملك أو من فعل الله تعالى . أما الذين قالوا إن الله تعالى لا يجوز أن يفعل القبائح فاللائق بمذهبهم أن يقولوا أن هذه الخواطر الخبيثة ليست من فعل الله تعالى ، فبقي أنها من أحاديث الجن والشياطين ، وأما الذين قالوا أنه لا يقبح من الله شيء فليس في مذهبهم مانع يمنعهم من إسناد هذه الخواطر إلى الله تعالى . واعلم أن الثنوية يقولون : للعالم إلهان : أحدهما : خير وعسكره الملائكة ، والثاني : شرير وعسكره الشياطين ، وهما يتنازعان أبداً كل شيء في هذا العالم ، فلكل واحد منهما تعلق به ، والخواطر الداعية إلى أعمال الخير إنما حصلت من عساكر الله ، والخواطر الداعية إلى أعمال الشر إنما حصلت من عساكر الشيطان ، واعلم أن القول بإثبات الإلهين قول باطل فاسد ، على ما ثبت فساده بالدلائل ، فهذا منتهى القول في هذا الباب . المسألة الثانية عشرة : من الناس من أثبت لهذه الشياطين قدرة على الأحياء ، وعلى الإماتة وعلى خلق الأجسام ، وعلى تغيير الأشخاص عن صورتها الأصلية وخلقتها الأولية ، ومنهم من أنكر هذه الأحوال ، وقال : إنه لا قدرة لها على شيء من هذه الأحوال .